السيد محمد الصدر
259
تاريخ الغيبة الصغرى
« وكلما ازدهر التراكم الرأسمالي والانتاج الرأسمالي فان المزاحمة والقرض وهما أقوى عاملين من عوامل التمركز ينطلقان . . . كما أن نمو أسلوب الانتاج الرأسمالي يخلق أيضا ، مع الحاجة الاجتماعية ، التسهيلات التكنيكية لهذه المشروعات الهائلة الضخمة ، التي يقتضي تشغيلها مركزية مسبقة للرأسمال » « 1 » . نرى إلى جانب ذلك أيضا ، أن ماركس يرى أن المرحلة اللاحقة للتراكم هي الاحتكار الذي عده المفكرون الآخرون مرحلة متأخرة من الرأسمالية تأتي بعد المزاحمة الحرة . فبينما نسمع ماركس يتحدث عن نزع الملكية الذي يحدث في العصر الرأسمالي الأولي ، نراه ينتقل مباشرة إلى الاحتكار . قال : « ونزع الملكية هذا إنما يتم حركة القوانين الملازمة للانتاج الرأسمالي التي تؤدي إلى تمركز رؤوس الأموال . وبصورة مرتبطة ارتباطا متبادلا مع هذا التمركز ، ونزع ملكية العدد الأكبر من الرأسماليين من قبل الأقلية . . . . وكلما تدنى عدد سلاطين الرأسمال الذين يغتصبون جميع فوائد مرحلة التحول الاجتماعي هذه ويحتكرونها يتزايد ناميا متعاظما البؤس والاضطهاد والاستعباد والاسترقاق والانحطاط والاستثمار ، ولكن تتزايد أيضا مقاومة الطبقة العاملة ، هذه المقاومة المتعاظمة دوما ، . . . ويصبح احتكار رأس المال عقبة وعائقا بالنسبة إلى نمط الانتاج الذي نما وازدهر معه وتحت رعايته » « 2 » . ويفهم من هذه العبارة التراكم الرأسمالي الأولي ، يعقبه عملية تجريد يقوم به الرأسماليون الكبار ضد الصغار منهم ، وبذلك تتحول الرأسمالية إلى احتكار بيد هؤلاء الطغمة القليلة . وحيث يتزايد البؤس في المجتمع يكون ذلك إيذانا بزوال الرأسماليين ، ومن ثم الرأسمالية نفسها طبقا لمفاهيم المادية التاريخية التي أسسها ماركس نفسه . إذن فالمرحلة الاحتكارية - طبقا للعبارة الأخيرة - كما هي المرحلة الثانية للرأسمالية ، هي المرحلة الأخيرة لها ، ولا تكون قابلة للبقاء بعدها . إذن فالرأسمالية لا تنقسم إلى أكثر من هاتين المرحلتين . وستأتي الصورة الأخرى التي يعطيها المفكرون الماركسيون الآخرون عن الرأسمالية ، لدى الحديث عن المرحلتين الأخيرتين منها .
--> ( 1 ) المصدر ج 3 ق 1 ص 905 . ( 2 ) المصدر ج 3 ق 2 ص 1138 .